بن عيسى باطاهر
68
المقابلة في القرآن الكريم
يعني الفصل التام بين الإله المستحق للعبادة والخضوع ، وبين الآلهة الأخرى التي اتخذها البشر أندادا وطواغيت ، وقد ذكر في السابق أن سورة التوبة هي آخر ما نزل من القرآن فكان لا بدّ أن تأتي فيها كلمة الفصل ، والخطاب النهائي في تحديد مقومات هذه القضية ، حتى يتبيّن للناس حقيقة التوحيد ومقتضياته ومقوماته ، ولذلك جاء حديث السورة تاما ومفصلا في تحديد قضية الوحدانية وتحديد العلاقات التي تترتب عليها بين أهل التوحيد وغيرهم من الملل والشعوب . ونبدأ الآن بالمقابلة الأولى : الوحدانية والشرك العام التي جاء الحديث عنها في بداية السورة وفي ثناياها ، قال تعالى : وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ التوبة : 3 ] . ففي هذه الآية تقابل وتضاد بين الوحدانية الحقة والشرك العام ، وقد عبر القرآن عن هذه المقابلة بقوله تعالى : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، والبراءة تعني انقطاع العصمة ، يقال : برئت من فلان أبرأ براءة ، أي انقطعت بيننا العصمة ، ولم يبق بيننا علاقة « 1 » ، وقال الفخر الرازي : « المراد من الكلام البراءة التي هي نقيض الموالاة الجارية مجرى الزّجر والوعيد ، والمقصود أنه تعالى أمر في آخر سورة الأنفال المسلمين بأن يوالي بعضهم بعضا ، ونبّه به على أنه يجب عليهم أن لا يوالوا الكفار وأن يتبرءوا منهم ، فههنا بيّن أنه تعالى كما يتولى المؤمنين فهو يتبرأ من المشركين ويذمهم ويلعنهم » « 2 » . فالتقابل الظاهر في الآية يستفاد منه قيمة دينية هي أن الوحدانية الحقة تقتضي أمرين :
--> ( 1 ) الفخر الرازي - تفسير الفخر الرازي - ج 15 ص 217 . ( 2 ) نفسه - ج 15 - ص 222 .